
ما هي نظرية الأجيال عند كارل مانهايم؟
الجيل ليس مجرد فئة عمرية، بل هو جماعة تتشكل من خلال تجربة تاريخية مشتركة..
ماذا يعني بذلك عالم الاجتماع كارل مانهايم؟
تنطلق "نظرية الأجيال" عند مانهايم من فكرة بسيطة في صياغتها وهي: الناس لا يتشكل وعيهم فقط حسب أعمارهم، بل حسب اللحظة التاريخية التي عاشوها في شبابهم. ويعني بذلك التجربة المشتركة لا تجمع الناس فحسب، بل تصنع فيهم نمط تفكير جماعي يصعب بعدها فكّه أو تجاوزه.
يرى مانهايم أن "الجيل" ليس مجرد فئة عمرية تجمعها أرقام الميلاد، بل وحدة اجتماعية عاشت أحداثًا مفصلية (مثل الحروب والثورات) في مرحلة التكوين النفسي بالتحديد، حين يكون الإنسان في أشد حالاته قابلية للتشكّل. حيث أن الأحداث تُعيد صياغة العدسة التي يرى فيها الإنسان من خلالها الأمور بعد تجاربه.
غير أن مانهايم يذهب أبعد من ذلك، إذ يُفرّق بين مفهومين جوهريين كثيرًا ما يُخلط بينهما: "الموقع الجيلي" و"الوحدة الجيلية". الأول مجرد انتماء زمني، أن يكون أفراد متعددون قد عاشوا في الحقبة ذاتها. أما الثاني فهو شيء أعمق: تشكّل وعي مشترك فعلي، يحدث حين يتفاعل هؤلاء الأفراد مع الحدث نفسه بطرق متقاربة، فينشأ بينهم ما يشبه الرؤية الجماعية. وخير مثال على الفجوة بين المفهومين: أبناء جيل واحد عاشوا حربًا بعضهم في مدن مُحاصرة وبعضهم في أرياف نائية؛ الموقع واحد، لكن الوحدة لم تتشكل، لأن التجربة الحية كانت مختلفة في جوهرها.
من هنا ترفض النظرية التبسيط الشائع الذي يُقسّم الناس إلى أجيال جاهزة ومُعلَّبة كـ"جيل الألفية" أو "جيل زد". هذا التصنيف لا يُخطئ فحسب، بل يُضلل، لأنه يتجاهل الفوارق الطبقية والثقافية والسياسية التي تجعل من أبناء "الجيل الواحد" عوالم متباينة تتشارك التاريخ دون أن تتشارك التجربة.
الجيل عند مانهايم إذن ليس رقمًا زمنيًا ولا تسمية تسويقية، بل تجربة تاريخية حية تنحت في الداخل وتبقى. من عاش نفس اللحظة لا يخرج منها بالشخص الذي دخلها؛ يخرج بعالَم مختلف يحمله معه حيثما ذهب، وإن لم يُدرك ذلك. والسؤال الذي تتركه النظرية معلقًا في الهواء: أيّ لحظة هي التي صنعتك أنت، وأيّ عدسة تراها من خلالها دون أن تعرف أنك تضعها؟
